فصل: باب مَا جَاء فِى الشُّرْبِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


باب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِى الْمُزَارَعَةِ

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، عَامَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم أهل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ‏.‏

وقال عمرو‏:‏ قلت لطاوس‏:‏ ‏(‏لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبى نهى عنه قال ابن عمر‏:‏ وإنى أعطيهم وأعينهم، فأن أعلمهم أخبرنى- يعنى ابن عباس- أن النبى- عليه السلام- لم ينه عنه، ولكن قال‏:‏ ‏(‏إن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا‏)‏‏.‏

وترجم لحديث ابن عمر باب ‏(‏مزارعة اليهود‏)‏ وقال فيه‏:‏ ‏(‏إن النبى- عليه السلام- أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها و لهم شطر ما خرج منها‏)‏‏.‏

اختلف العلماء فى المزارعة من غير أجل، فكرهها مالك، والثورى، والشافعى، وأبو ثور حتى يسمى أجلا معلومًا‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وقال أبو ثور‏:‏ إذا لم يسم سنين معلومةً فهو على سنة واحدة، وحكى عن بعض الناس أنه قال‏:‏ أجيز ذلك استحسانًا، وأدع القياس‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ قال بعض أصحابنا‏:‏ ذلك جائز واحتج بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏نقركم ما شئنا‏)‏، وفى ذلك دليل على إجازة دفع النخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون لصاحب الأرض والنخل أن يخرج المساقى والزارع من الأرض والنخل متى شاء، وفى ذلك دلالة أن المزارعة بخلاف الكراء، ولا يجوز فى الكراء أن يقول‏:‏ أخرجك عن أرضى متى شئت‏.‏

ولا خلاف بين أهل العلم أن الكراء فى الدور والأرضين لا يجوز إلا وقتًا معلومًا، وقول أبى ثور حسن؛ لأن معاملته- عليه السلام- اليهود بشطر ما يخرج منها يقتضى سنة واحدة حتى يبين أكثر منها، فلم تقع المدة إلا معلومة، وسأزيد فى الكلام فى هذه المسألة فى باب‏:‏ ‏(‏إذا قال رب الأرض‏:‏ اقرك، ما أقرك الله‏)‏، بعد هذا- إن شاء الله‏.‏

باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِى الْمُزَارَعَةِ

- فيه‏:‏ رَافِع، كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلاً، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِى أَرْضَهُ، فَيَقُولُ‏:‏ هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِى، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ عليه السَّلام‏.‏

هذا الوجه المنهى عنه فى هذا الحديث لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز؛ لأن غرر ومجهول، وهذه المزارعة المنهى عنها، وإنما اختلفوا فى المزارعة بالثلث والربع مما تخرج الأرض على ما تقدم قبل هذا‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ جاء فى هذا الحديث العلة التى نهى النبى من أجلها عن كراء الأرض، وعن المخابرة، وهى اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية منها، وقد جاء فى حديث رافع أيضا علل أخر سأذكرها فى موضعها- إن شاء الله- وقد تقدم مذاهب العلماء فى المزارعة، وما يجوز منها وما لا يجوز، فأغنى عن إعادته‏.‏

ومما لا يجوز فى المزارعة عند مالك أن يجتمع معنيان فى جهة واحدة، وهو أن يخرج صاحب الأرض البذر، فيجتمع له أرضه وبذره فلا يجوز، فيكون للعامل أجرة عمله وزرعه، ويكون الزرع لصاحب الأرض والبذر، وكذلك لو اجتمع للعامل البذر والعمل كانت المزارعة فاسدة، وكان عليه كراء الأرض لصاحب الأرض والزرع كله للعامل‏.‏

باب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَكَانَ فِى ذَلِكَ صَلاَحٌ لَهُمْ

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث، ‏(‏فَقَالَ الثَّالِثُ‏:‏ اللَّهُمَّ إِنِّى اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ‏:‏ أَعْطِنِى حَقِّى فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِى، فَقَالَ‏:‏ اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلْتُ‏:‏ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ، قَالَ‏:‏ اتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تَسْتَهْزِئْ بِى، فَقُلْتُ‏:‏ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ، فَأَخَذَهُ كله‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ لا تصح هذه الترجمة إلا أن يكون الزارع متطوعًا إذ لا خسارة على صاحب المال؛ لأنه لو هلك الزرع أو ما ابتاع له بغير إذنه كان الهلاك من الزارع، وإنما يصح هذا على سبيل التفضل بالربح وضمان رأس المال، لا أن من تعدى فى مال غيره، فاشترى منه بغير إذنه أو زرع به أنه يلزم صاحبه فعله؛ لأن ما فى ذمته من الدين لا يتغير إلا بقبض الأجير له، أو برضاه بعمله فيه، وقد تقدم فى كتاب الإجارة حكم من تجر فى مال غيره بغير إذنه فربح، ومذاهب العلماء فى ذلك‏.‏

باب أَوْقَافِ أَصْحَابِ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ

وَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ‏:‏ ‏(‏تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لاَ يُبَاعُ ثَمَرُةُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ عُمَر، قَالَ‏:‏ لَوْلاَ آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلاَ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ كانت خيبر جماعة حصون، فافتتح بعضها بقتال، وبعضها أسلمها أهلها على أن تحقن دماؤهم، هذا قول ابن إسحاق عن الزهرى، فكان حكم خيبر كلها العنوة، ومعنى هذه الترجمة- والله أعلم- أن الصحابة كانوا يزارعون ويساقون أوقاف النبى- عليه السلام- بعد وفاته على ما كان عامل عليه النبى يهود خيبر، فإن العمل جرى بالمزارعة والمساقاة فى أوقاف النبى عليه السلام- وأرض خراج المسلمين، ولم يرو عن أبى بكر ولا عمر ولا غيرهما أنهم غيروا حكم رسول الله فى هذا، فهى سنة ثابتة معمول بها، وقد تقدم فى كتاب الجهاد فى باب ‏(‏الغنيمة لمن شهد الوقعة‏)‏ الكلام فى حكم الأرض العنوة إذا غنمها المسلمون فى حديث عمر هذا‏.‏

باب في إحياء الموات مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا

وَرَأَى ذَلِكَ عَلِىٌّ فِى أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ‏.‏

وقال عُمَرُ‏:‏ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِىَ لَهُ‏.‏

وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِ وابْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِىِّ، عليه السَّلام، وَقَالَ فِى حَقِّ غَيْرِ مُسْلِمٍ‏:‏ ‏(‏وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ‏)‏، وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِىِّ عليه السلام‏.‏

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ‏)‏‏.‏

قَالَ عُرْوَةُ‏:‏ قَضَى بِهِ عُمَرُ فِى خِلاَفَتِهِ‏.‏

وقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من أحيا أرضا ميتة فهى له، وليس لعرق ظالم حق‏)‏ وهذا حديث حسن السند‏.‏

اختلف العلماء فى إحياء الموات، فقال مالك‏:‏ من أحيا أرضًا ميتة فيما قرب من العمران، فلا بد فى ذلك من إذن الإمام، وإن كانت فى فيافى المسلمين والصحارى وحيث لا يتشاح الناس فيه، فهى له بغير إذن الإمام‏؟‏ وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعى‏:‏ من أحيا أرضًا ميتة فهى له، ولا يحتاج إلى إذن الأمام فيما قرب كما لا يحتاج فيما بعد‏.‏

قال أشهب وأصبغ‏:‏ إن أحيا فيما قرب بغير إذنه أمضيت ولم يعنف‏.‏

وقال مطرف وابن الماجشون‏:‏ الإمام مخير بين أربعة أوجه‏:‏ إن رأى أن يقره له فعل، أو يقره للمسلمين ويعطيه قيمته منقوضًا، أو يأمره بقلعه، أو يعطيه غيره فيكون للأول قيمته منقوضًا، والبعيد ما كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى، مما العادة أن الرعاء يبلغونة ثم يبيتون فى منازلهم، ويحتطب المحتطب ثم يعود إلى موضعه، وما كان من الأحياء فى المحتطب والمرعى فهو القريب من العمران فيمنع‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ ليس لأحد أن يحيى مواتًا إلا بإذن الإمام فيما بعد وقرب‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ الحجة لأبى يوسف ومحمد قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من أحيا أرضا ميتة فهى له‏)‏‏.‏

فقد جعل إحياء ذلك إلى من أحب بلا أمر الإمام فى ذلك، قال‏:‏ وقد دلت على ذلك شواهد من النظر، منها أن الماء الذى فى البحار والأنهار، من أخذ منه شيئًا ملكه بأخذه إياه، وإن لم يأمره الإمام بذلك، وكذلك الصيد هو لمن صاده، ولا يحتاج إلى تمليك من الإمام، لأن الإمام وسائر الناس فى ذلك سواء، فكذلك الأرض التى لا ملك لأحد عليها هى كالصيد الذى ليس بمملوك والماء المباح‏.‏

والحجة لأبى حنيفة أن قوله‏:‏ ‏(‏من أحيا أرضا ميتة فهى له‏)‏ إنما معناه من أحياها على شرائط الأحياء فهى له، وذلك أن يحظرها وأذن الإمام له فيها، والدليل على صحة هذا التأويل قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا حمى إلا لله ولرسوله‏)‏، والحمى ما حمى من الأرض، فدل أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأن حكم ذلك غير حكم الصيد والماء‏.‏

والفرق بينهما أنا رأينا ماء الأنهار لا يجوز للإمام تمليك ذلك أحدًا، ورأينا لو ملك رجلا أرضًا ميتة ملكها بذلك، ولو احتاج الإمام إلى بيعها فى نائبة للمسلمين جاز بيعه لها، ولا يجوز ذلك فى ماء نهر ولا صيد بر ولا بحر، وأنه ليس للإمام بيعهما ولا تمليكهما أحدًا، وأن الإمام فيهما كسائر الناس، فكان ملكهما يجب بأخذهما دون الإمام، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة‏.‏

والحجة لمالك أن النبى- عليه السلام-‏:‏ ‏(‏أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع‏)‏، ولم يقطعه حق مسلم، وهذا فيما قرب، فوجب استعمال الحديثين جميعًا، فما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير إذن الإمام، وما تباعد من العمارة ولم يتشاح فيه جاز أن يعمر بغير إذن الإمام، لأن النبى قال‏:‏ ‏(‏من أحيا أرضاُ ميتة فهى له‏)‏، وهذا الإذن من النبى إقطاع‏.‏

قال سحنون‏:‏ وقد أقطع عمر العقيق وهو قرب المدينة، قال‏:‏ ومسافة يوم عن العمارة بعيد‏.‏

فإن قال أبو حنيفة‏:‏ إن إحياء الموات من مصالح المسلمين، لأن الأرض مغلوب عليها، فوجب ألا تملك إلا بإذن الإمام كالغنيمة‏.‏

قيل‏:‏ الموات فى الفيافى من المباح كالصيد وطلب الركاز والمعادن، لا يفتقر شىء منها إلى إذن الإمام وإن كانت فى الأرض التى عليها يد الإمام، فكذلك الموات‏.‏

وإحياء الموات عند مالك إجراء العيون، وحفر الآبار، والبنيان، والحرث، وغرس الأشجار، وهو قول الشافعى‏.‏

وقال ابن القاسم‏:‏ ولا يعرف مالك التحجير إحياء‏.‏

والحجة له ما روى الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر قال‏:‏ كان الناس يتحجرون على عهد عمر فى الأرض التى ليست لأحد، فقال عمر‏:‏ من أحيا أرضًا ميتة فهى له‏.‏

وهذا يدل أن التحجير غير الإحياء‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ وبلغنى عن ربيعة أنه قال‏:‏ العرق الظالم عرقان‏:‏ عرق ظاهر، وعرق باطن، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو غرس‏.‏

قال ربيعة فى كتاب ابن حبيب‏:‏ العروق أربعة‏:‏ عرقان فوق الأرض، وهما الغرس والنبات، وعرقان فى جوفها‏:‏ المياه والمعادن، وفى كتاب ابن سفيان‏:‏ العروق أربعة‏:‏ عرقان ظاهران، وعرقأن باطنان، فالظاهران‏:‏ البناء والغرس، والباطنان‏:‏ الآبار والعيون، والعرق الظاهر ما بنى فى أرض غيره‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ فالحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرًا على الظالم، إن شاء حبس ذلك فى أرضه بقيمته مقلوعًا، وإن شاء نزعه من أرضه‏.‏

وقال غيره‏:‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏(‏وليس لعرق ظالم حق‏)‏ يريد ليس له حق كحق نم غرس أو بنى بشبهة، فإذا غرس أو بنى بشبهة فله حق إن شاء رب الأرض أن يدفع إليه قيمته قائمًا فعل، وإن أبى قيل للذى بنى أو غرس ادفع إليه قيمة أرضه براحًا، فإن أبى كانا شريكين فى الأرض والعمارة، هذا بقيمة أرضه براحًا وهذا بقدر قيمة العمارة‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ لا خيار للذى بنى أو غرس إذا أبى ربُ الأرض أن يدفع إليه قيمة ما بنى أو غرس بأن يخرج رب الأرض من أرضه، ولكن إذا أبى رب الأرض من دفع قيمة ما بنى أو غرس نشرك فيها بينهما مكانه، هذا بقيمة أرضه براحًا، والآخر بقيمة عمارته قائمة، أخبرنى ابن الماجشون والمغيرة عن مالك‏:‏ وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض اليوم براحًا، ثم تقوم بعمارتها، فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحًا، كان العامر شريكًا لرب الأرض فيها إن أحبا قسمًا أو حبسا‏.‏

قال ابن الجهم‏:‏ فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كرهًا فيما مضى من السنين‏.‏

ووقع فى الأمهات‏:‏ من أعمر أرضًا‏.‏

ولم أجد ذلك فى كتب اللغة، وذكر صاحب العين‏:‏ أعمرت الأرض‏:‏ وجدتها عامرة‏.‏

وليس هذا المعنى بمراد من هذا الحديث، وفى كتاب الأفعال‏:‏ عمر المكان وعمرته عمارةً، فهو عامر ومعمور، وفى القرآن‏:‏ ‏(‏وعمروها أكثر مما عمروها ‏(‏فجاء عمرت الأرض، ولم يجئ أعمرت الأرض، ويمكن أن يكون من اعتمر أرضًا وسقطت التاء من الأمر والله أعلم‏.‏

باب

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىَّ عليه السَّلام أُرِىَ، وَهُوَ فِى مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ فِى بَطْنِ الْوَادِى، فَقِيلَ لَهُ‏:‏ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ، فَقَالَ مُوسَى‏:‏ وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ الَّذِى كَانَ عَبْدُاللَّهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِى بِبَطْنِ الْوَادِى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ، عليه السلام، قَالَ‏:‏ ‏(‏اللَّيْلَةَ أَتَانِى آتٍ مِنْ رَبِّى، وَهُوَ بِالْعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ، وَقُلْ عُمْرَةٌ فِى حَجَّةٍ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا المعنى الذى حاول البخارى من أنه جعل موضع معرس النبى وصلاته موقوفًا له، ومتملكًا له لصلاته وتعريسه فيه لا يقوم على ساق؛ لأنه عليه السلام قد قال‏:‏ ‏(‏جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا‏)‏ وقد يصلى فى أرض متملكة، فلم تكن صلاته فيها بمبيحة للصلاة فيها للناس إلى يوم القيامة، وقد صلى فى دار أبى طلحة ودار عتبان، فلم يبح ذلك للناس أن يتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وإنما أدخله البخارى من أجل أنه نسب المعرس إلى رسول الله‏.‏

باب إِذَا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ‏:‏ أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلاً مَعْلُومًا فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ عليه السَّلام لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا‏)‏، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ، وَأَرِيحَاءَ‏.‏

اعتل من دفع بأنها كانت من النبى- عليه السلام- إلى غير أجل معلوم، لقوله عليه السلام لليهود‏:‏ ‏(‏أقركم ما أقركم الله‏)‏ وكل من أجاز المساقاة فإنما أجازها إلى أجل معلوم، إلا ما ذكر ابن المنذر عن بعض أصحابه أنه تأول فى قوله عليه السلام لليهود‏:‏ ‏(‏أقركم ما أقركم الله‏)‏ جواز المساقاة بغير أجل، وقد تقدم ذكره فى باب ‏(‏إذا لم يشترط السنين فى المزارعة‏)‏‏.‏

والذى عليه أئمة الفتوى أنها لا تجوز إلا بأجل معلوم، قال مالك‏:‏ الأمر عندنا فى النخل أنها تساقى السنتين والثلاث والأربع و أقل وأكثر‏.‏

وأجازها أصحاب مالك فى عشر سنين فما دونها، وقال محمد بن الحسن‏:‏ إذا ساقاه ولم يسم سنين معلومة كان ذلك على سنة واحدة‏.‏

وهو قول أبى ثور، وهو يشبه قول ابن الماجشون فيمن اكترى دارًا مشاهرة أنه يلزمه شهر واحد، لأن النبى- عليه السلام- أقر اليهود على أن لهم النصف، وهذا يقتضى سنة واحدة حتى يتبين أكثر منها‏.‏

ولا حجة لمن دفع المساقاة فى قوله عليه السلام لليهود‏:‏ ‏(‏أقركم ما أقركم الله‏)‏، ولم يذكر أجلا، لأنه عليه السلام كان يرجو أن يحقق الله رغبته فى إبعاد اليهود من جواره، لأنه امتحن معهم فى شأن القبلة فكان مرتقبًا للوحى فيهم، فقال لهم‏:‏ ‏(‏أقركم ما أقركم الله‏)‏ منتظراُ للقضاء فيهم، فلم يوح إليه فى ذلك حتى حضرته الوفاة فقال‏:‏ ‏(‏لا يبقين دينان بأرض العرب‏)‏‏.‏

فقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أقركم ما أقركم الله‏)‏ لا يوجب فساد عقد النبى- عليه السلام- ويوجب فساد عقد غيره بعده، لأنه عليه السلام كان ينزل عليه الوحى بتقرير الأحكام ونسخها، فكان بقاء حكمة موقوفًا على تقرير الله له، وكان بقاؤه ما أقره الله، وزواله إذا نسخه من مقتضى العقد، فإذا شرط ذلك فى عقده لم يوجب فساده، وليس كذلك صورته من غيره، لأن الأحكام قد ثبتت وتقررت‏.‏

ومساقاة رسول الله اليهود على نصف الثمر يقتضى عموم جميع الثمر، ففيه حجة لمن أجاز المساقاة فى الأصول كلها، وهو قول ابن أبى ليلى، ومالك، والثورى، والأوزاعى، وأبى يوسف، ومحمد، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الشافعى‏:‏ لا تجوز إلا فى النخل والكرم خاصة، لأن المساقاة عنده لا تجوز إلا فيما يجوز فيه الخرص للزكاة، وذلك النخل والكرم، قال‏:‏ لأن ثمرها بائن من شجره، و لا حائل دونه يمنع إحاطة النظر إليه، وغيرهما متفرق بين أضعاف ورق شجره، لا يحاط بالنظر إليه‏.‏

وحجة القول الأول أن المساقاة إنما جازت فى النخل، لأنها أصول ثابتة لا يمكن بيع ثمرها، ولا إجارتها قبل وجودها، فجاز أن يساقى عليها بجزء من ثمرها، كما جاز فى القراض أن يدفع المال بجزء من ربحه لحاجة الناس إلى ذلك، وضرورتهم إليه فى أمر معاشهم، فجازت فى كل أصل ثابت يبقى كالزيتون، والتين، والرمان، والفرسك، والورد، والياسمين ونحوه، لأن النبى ساقى أهل خيبر على نصف الثمر، و هذا عام فى جميع الأشجار‏.‏

ومن قال‏:‏ إنما تجوز المساقاة فيما فيه الزكاة، فيلزمه أن يجيز المساقاة فى الزرع وغيره من الحبوب التى فيها الزكاة، فلما لم يجزها علم أن المساقاة لم تجب من أجل وجوب الزكاة، وإنما جازت للضرورة إليه وأن مالكها لا يقدر على عملها بنفسه‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ ويلزم الشافعى أن يجيز المساقاة فى الزيتون، والتين، والكمثرى والأجاص، والرمان وكل شىء يظهر من شجره، لأن ذلك يحاط بالنظر إليه‏.‏

وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين‏)‏ يريد حين ظهر عليها كل الظهور، حين صالحوه بالخروج عن أموالهم على أن يحقن دماءهم، فكانت خيبر لله وللرسول وللمسلمين بما أخذ منهم فى الصلح وخمس ما أخذ عنوة، لأن المسلمين أخذوا سهامهم من العنوة‏.‏

ولا يعارض ما روى فى كتاب الخمس ‏(‏وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول وللمسلمين‏)‏ وهذا معناه حين ظهر عليها فى العنوة قبل القسمة كانت لله ولرسوله، وكانت عين العنوة لليهود قبل أن يصالحوه، فلما صالحوه كانت بعد الصلح وقبل قسمة العنوة لله ولرسوله، ثم لما قسم العنوة كانت لله ولرسوله الصلح وخمس العنوة، وللمسلمين أربعة أخماس العنوة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏لما ظهر عليهم فى الطريق الذى فيه لله ولرسوله ولليهود‏)‏، أى ظهر فى الرجاء؛ لأنه كان أخذ أعظمها حصنًا، فاستولى عليها رجاء، ألا ترى أنهم لجئوا إلى مصالحته لما رأوا من ظهوره، فتركوا الأرض وسلموها لحقن دمائهم، فكان حكم ذلك الصلح، وما انجلى عنه أهله بالرعب حكم الفىء لم يجز فيه خمس، وإنما استخلص منه رسول الله لنفسه، وكان باقيه لنوائب المسلمين وما يحتاجون إليه‏.‏

باب مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يُوَاسِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِى الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَر

- فيه‏:‏ رَافِع، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ‏:‏ لَقَدْ نَهَانَا النَّبِىّ، عليه السلام، عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا، قُلْتُ‏:‏ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ حَقٌّ، قَالَ‏:‏ دَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ‏:‏ ‏(‏مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ‏؟‏‏)‏ قُلْتُ‏:‏ نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏لاَ تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا‏)‏‏.‏

قَالَ رَافِعٌ‏:‏ قُلْتُ‏:‏ سَمْعًا وَطَاعَةً‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، قَالَ‏:‏ كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ‏)‏‏.‏

وروى أبو هريرة مثل حديث جابر، وقال عمرو‏:‏ ذكرته لطاوس، فقال‏:‏ يزرع، قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبى- عليه السلام- لم ينه عنه، ولكن قال‏:‏ أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئًا معلومًات‏)‏‏.‏

وفيه ابن عمر‏:‏ ‏(‏أنه كان يكرى مزارعه على عهد النبى عليه السلام وأبى بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من إمارة معاوية، ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبى نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إلى رافع فذهبت معه فسأله، فقال‏:‏ نهانا النبى- عليه السلام- عن كراء المزارع‏.‏

فقال ابن عمر‏:‏ قد علمت أنا كنا نكرى مزارعنا على عهد رسول الله بما على الأربعاء وشىء من التبن، ثم خشى عبد الله أن يكون النبى- عليه السلام- قد أحدث فى ذلك شيئًا لم يكن يعلمه، فترك كراء الأرض‏)‏‏.‏

احتج من منع المزارعة بحديث رافع عن عمه قال‏:‏ ‏(‏لقد نهانا النبى عن أمر كان بنا رافقًا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ وبحديث جابر، وبترك ابن عمر كراء الأرض من أجل حديث رافع، واحتج الذين أجازوا المزارعة بحديث ابن عمر أن النبى- عليه السلام- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر على ما تقدم ذكره‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ اختلفت ألفاظ أحاديث رافع، واختلفت فيها العلل التى من أجلها نهى عن كراء الأرض وعن المخابرة، فأحد تلك العلل‏:‏ اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية منها‏.‏

وعلة ثانية‏:‏ وهو اشتراطهم الأكار أن ما سقى الماذيان والربيع فهو لنا، وما سقت الجداول فهو لكم‏.‏

وعلة ثالثة‏:‏ وهى إعطاؤهم الأرض على الثلث والربع والنصف‏.‏

وعلة رابعة‏:‏ وهو أنهم كانوا يكرونا بالطعام المسمى والأوسق من الثمر‏.‏

و علة خامسة‏:‏ وهى أن نهيه عن ذلك عليه السلام كان لخصومة وقتال كان بينهم‏.‏

وروى عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال‏:‏ ‏(‏يغفر الله لرافع، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله‏:‏ إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع، فسمع قوله‏:‏ لا تكروا المزارع‏)‏‏.‏

وعلة سادسة‏:‏ احتج بها من جعل نهيه عليه السلام عن ذلك نهى تأديب، وذلك قول ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبى- عليه السلام- لم ينه عنه‏:‏ يعنى‏:‏ لم يحرمه‏)‏‏.‏

وروى شعبة عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس ‏(‏أن النبى- عليه السلام- لم يحرم المزارعة، وإنما أراد أن يرزق بعضهم بعضها‏)‏‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ فإذا كان سبيل أخبار رافع ما ذكرنا وجب الوقوف عن استعمالها؛ لكثرة عللها، ووجب القول بحديث ابن عمر، وهو خبر ثابت لا علة فيه، وكذلك قال سالم بن عبد الله‏:‏ أكثر رافع، ولو كانت لى مزارع لأكريتها‏.‏

وقال أحمد بن حنبل‏:‏ أحاديث رافع مضطربة، وأحسنها حديث يعلى بن حكيم عن سليمان بن يسار‏.‏

وأما قوله فى حديث رافع‏:‏ ‏(‏فنؤاجرها على الأوسق من التمر والشعير‏)‏، فإن العلماء اختلفوا فى كراء الأرض بالطعام، فقال أبو حنيفة، والأوزاعى، والثورى، والشافعى، وأبو ثور‏:‏ يجوز أن تكرى الأرض بالطعام كله إذا كان معلومًا فى ذمة المكترى، قالوا‏:‏ وكل ما جاز أن يكون ثمنًا لشىء جاز أن تكرى به الأرض ما لم يكن مجهولا أو غررًا‏.‏

وروى ذلك عن النخعى‏.‏

وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحجة لهم حديث الأوزاعى عن ربيعة، عن حنظلة ابن قيس قال‏:‏ ‏(‏سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال‏:‏ لا بأس به، إنما كان الناس على عهد رسول الله يؤاجرون الأرض بما على الماذيانات وإقبال الجداول، فيهلك هذا، ويسلم هذا، فزجر عنه رسول الله، فأما شىء معلوم مضمون فلا‏)‏ قالوا‏:‏ فقد أخبر رافع بالعلة التى لها نهى رسول الله عن ذلك، وهو جهل البدل، وأخبر أن كراها جائز بكل شىء معلوم‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ إن أكراها بطعام معلوم يكون فى ذمة المكترى، أو بطعام حاضر يقبضه‏:‏ فذلك جائز، وأما إن أكراها بجزء مما يخرج منها فذلك غرر، لأنها قد تخرج وقد لا تخرج وهذا عند الشافعى المزارعة المنهى عنها، وقال مالك‏:‏ لا يجوز أن يكرى الأرض بشىء مما يخرج منها أكل أو لم يؤكل، ولا بشىء من ما يؤكل ويشرب، خرج منها أم لا‏.‏

واختلف أصحابه فى ذلك، فقال ابن كنانة‏:‏ لا تكرى الأرض بشىء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من الطعام وغيره‏.‏

وقال ابن نافع‏:‏ جائز كراء الأرض بكل شىء من الطعام والإدام غير الحنطة والسلت والشعير، فإنها محاقلة‏.‏

والحجة لمالك ما رواه شعبة عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏من كانت له أرض فليزرعها، أو يزرعها، ولا يكريها بثلث ولا بربع، ولا بطعام مسمى‏)‏، وهذا عموم فى كل ما يخصه اسم طعام، سواء أنبتته الأرض أم لا، وإذا أكراها بطعام فهو فى معنى المخابرة المنهى عنها، لأنه يصير طعاماُ بطعام متأخر أو طعامًا بطعام متفاضلا وذلك محرم‏.‏

الربيع‏:‏ الجدول، والماذيانات‏:‏ جداول الماء، وما نبت على حافتى مسيل الماء‏.‏

باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ الْبَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ‏.‏

- فيه‏:‏ رَافِع، قَالَ‏:‏ حَدَّثَنِى عَمَّاىَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ عليه السلام، بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ، أَوْ بِشَىْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانا النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ‏:‏ فَكَيْفَ هِىَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ‏؟‏ فَقَالَ رَافِعٌ‏:‏ لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ‏.‏

قَالَ اللَّيْثُ‏:‏ وَكَانَ الَّذِى نُهِىَ عَنْ ذَلِكَ، مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ‏.‏

اتفق العلماء على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة، قال ابن المنذر‏:‏ وهذا إجماع الصحابة، وذهب ربيعة إلى أنه لا يجوز أن يكرى بشىء غير الذهب والفضة‏.‏

وقال طاوس‏:‏ لا تكرى بالذهب ولا بالفضة، وتكرى بالثلث والربع‏.‏

وقال الحسن البصرى‏:‏ لا يجوز أن تكرى الأرض بشىء لا بذهب وفضة ولا بغيرهما‏.‏

والحجة لقول الحسن ما روى عن رافع بن خديج ‏(‏أن الرسول نهى عن كرى الأرض مطلقًا‏)‏، وقال‏:‏ إذا استأجرها وحرث فيها لعله أن يحترق زرعه، فيردها وقد زادت بحرثه لها، فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر، وهذا ليس بشىء، لأن سائر البيوع لا تخلو من شىء من الغرر، والسلامة فيها أكثر، ولو روعى فى البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع لأحد، لأجل خشية ما يحدث من عند الله تعالى‏.‏

وقد ثبت عن رافع فى هذا الباب أن كراء الأرض بالذهب والفضة جائز، وذلك مضاف إلى رسول الله، وهو خاص يقضى على العام الذى جاء فيه النهى عن كراء الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة، والزائد من الأخبار أولى أن يؤخذ به، لئلا تتعارض الأخبار ويسقط شىء منها‏.‏

والأربعاء‏:‏ جداول الماء، واحدها‏:‏ ربيع، عن صاحب العين‏.‏

باب السقى

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، عليه السلام، كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ‏:‏ ‏(‏أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِى الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، وَلَكِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، قَالَ‏:‏ فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ، عز وجل‏:‏ دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لاَ يُشْبِعُكَ شَىْءٌ‏)‏، فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ‏:‏ وَاللَّهِ لاَ نجِدُهُ إِلاَ قُرَشِيًّا، أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال الهلب‏:‏ فى هذا الحديث أن كل ما اشتهى فى الجنة من أعمال الدنيا ولذاتها فممكن فيها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين‏}‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وفيه الحكم بالدليل، ووصف الناس بغالب عادتهم وأحوالهم، لقول الأعرابى‏:‏ ‏(‏والله لا نجده إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع، فضحك النبى‏)‏ فدل ضحكه على إصابة الأعرابى للحق فى استدلاله، ففى ذلك من الفقه أنه من لزم طريقة وحالة من خير أو شر أنه يجوز وصفه بها، ولا حرج على واصفه بالشر إن لزم طريقته، وفيه ما جبل الله عليه نفوس بنى آدم من حب الاستكثار، والرغبة فى متاع الدنيا، لأن الله قد أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا ومتاعها، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏دونك يا ابن آدم، لا يشبعك شىء‏)‏ يدل على فضل القناعة، والاقتصار على البلغة، وذم الشره والرغبة‏.‏

باب مَا جَاءَ فِى الْزرع

- فيه‏:‏ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِى أَرْبِعَائِنَا، فَتَجْعَلُهُ فِى قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، لاَ أَعْلَمُ إِلاَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ، وَلاَ وَدَكٌ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى، وَلاَ نَقِيلُ إِلاَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، يَقُولُونَ‏:‏ أكثر أَبَا هُرَيْرَةَ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ‏:‏ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ مِثْلَ حديثه، وَإِنَّ إِخْوَتِى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَتْ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِى مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرًَا مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِلْءِ بَطْنِى، وَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِى حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ عليه السَّلام يَوْمًا‏:‏ ‏(‏إن يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِى هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَلا يَنْسَى مِنْ مَقَالَتِى شَيْئًا أَبَدًا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، الحديث‏.‏

فى هذا الحديث عمل الصحابة فى الحرث والزرع بأيديهم، وخدمة ذلك بأنفسهم، ألا ترى قول أبى هريرة‏:‏ ‏(‏وإن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم‏)‏، وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس السلق للنبى- عليه السلام- وأصحابه ففى هذا أن الامتهان فى طلب المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة على أهل الفضل‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفيه إجابة المرأة الصالحة إلى الطعام‏.‏

وفيه دليل على التهجير بالجمعة والمبادرة إليها عند أول الزوال، وإنما كانوا يشغلون بالغسل، ومراعاة التهجير عن قائلتهم المعروفة فى سائر الأيام، فلا يجدون السبيل إليها إلا بعد الصلاة، لا أنهم كانوا يصلونها قبل زوال الشمس، كما ظن بعض الناس وخالف كتاب الله فى قوله‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس‏}‏ وقد تقدم هذا فى كتاب الجمعة‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

كِتَاب الْمِيَاهِ

باب مَا جَاء فِى الشُّرْبِ

وَقَوْلِ اللَّهِ‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ‏(‏وَقَوْلِهِ تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِة‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏تَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

وَقَالَ عُثْمَانُ‏:‏ عن النَّبىّ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ‏)‏، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ‏.‏

معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا من الماء كل شىء حى ‏(‏أراد به حياة جميع الحيوان الذى يعيش بالماء، وقيل‏:‏ عنى بالماء هاهنا‏:‏ النطفة خاصة‏.‏

ومن قرأ‏:‏ ‏(‏وجعلنا من الماء كل شىء حيا ‏(‏يدخل فيه الحيوان والجماد، لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست، فحياتها خضرتها ونضرتها، والمزن‏:‏ السحاب، والأجاج‏:‏ المالح‏.‏

عدد الله على عباده نعمته فى خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه، وتنموا به ثمارهم، ولو شاء لجعله مالحاُ فلا يشربون منه، ولا ينتفعون به فى زرعهم وثمارهم‏)‏ فلولا تشكرون ‏(‏أى‏:‏ فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم‏.‏

وأما بئر رومة فإنها كانت ليهودى، وكان يضرب عليها القفل ويغيب، فيأتى المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرًا، فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏من يشترى بئر رومة و يبيحها للمسلمين، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة، فاشتراها عثمان‏)‏، وهذا الحديث حجة لمالك ومن وافقه فى قولهم‏:‏ إنه لا بأس ببيع الآبار والعيون فى الحضر إذا احتفرها لنفسه ولم يحتفرها للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ماء حفر من الآبار فى الصحارى من غير أن يحرمه‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين‏)‏ يعنى‏:‏ يجعلها حبسًا لله، ويكون حظه منها كحظ غيره ممن لم يحبسها، ولا يكون له فيها مزية على غيره‏.‏

فإن قيل‏:‏ إذا شرط أن يكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، ففيه من الفقه أن يجوز للمحبس أن ينتفع بما يحبسه إذا شرط ذلك‏.‏

قيل‏:‏ هذا ينقسم قسمين‏:‏ فأما من حبس بئراُ وجعلها للسقاة فلا بأس أن يشرب منها وإن لم يشترط ذلك، لأنه داخل فى جملة السقاة‏.‏

ومن حبس عقاراُ فلا يجوز له أن ينتفع بشىء منها إلا أن يشترط أن يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، فإذا لم يشترط ذلك فلا يجوز له الانتفاع بشىء منه، لأنه أخرجه لله تعالى ولا يجوز الرجوع فيه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما الفرق بين وقف البئر ووقف العقار‏؟‏ قيل‏:‏ الفرق بينهما أن سائر الغلات تنقطع فى أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشىء أهل الحاجة وانفرد به‏.‏

و ماء الآبار لا ينقطع أبدًا، لأنها نابعة فلا يحرم أحد من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها وسيأتى ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه فى باب‏:‏ هل ينتفع الواقف بوقفه فى كتاب الأوقاف- إن شاء الله‏.‏

باب مَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ

وَقَالَ عُثْمَانُ‏:‏ قَالَ النَّبىُّ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ‏)‏، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ‏.‏

- فيه‏:‏ سَهْل، أُتِىَ النَّبِىُّ عليه السَّلام بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏يَا غُلاَمُ، أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ‏؟‏‏)‏ فَقَالَ‏:‏ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِى مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهِىَ فِى دَارِ أَنَسِ، فَشِبَت لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِى فِى دَارِ أَنَسٍ بْن مالك، فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقَدَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلىّ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ، فَقَالَ لَه عُمَرُ- وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِىَّ-‏:‏ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِىَّ الَّذِى عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ‏)‏‏.‏

جميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيها متشاركون، وحقوقهم فيها متساوية، لا فضل لأحد منهم على صاحبه، وإنما جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين لقلة التشاح فيهما، ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معًا أنها تجرى فى ذلك على المكارمة، ولا ينقضى بعضهم على بعض، لأن ذلك إنما يوضع للناس على قدر نهمتهم، فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، إلا أن من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر أحدهم بأكثر من نصيب صاحبه‏.‏

ألا ترى أن مالكًا قد قال‏:‏ لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه فى ذلك، لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح فى الماء واللبن‏.‏

وقال المهلب‏:‏ إنما استأذن النبى- عليه السلام- الغلام فى حديث سهل، ولم يستأذن الأعرابى فى حديث أنس، لأن الأعرابى الذى كان عن يمين النبى- عليه السلام- كان من السادة و المشيخة وكان طرى الهجرة لا علم له بالشرائع، فأعطاه النبى- عليه السلام- ولم يستأذن أبا بكر استئلافًا منه للأعرابى، وتطييبًا لنفسه، وتشريفاُ له، ولم يجعل للغلام تلك المنزلة، لأنه كان من قرابته، وسنه دون سن الأشياخ الذين كانوا على يساره فاستأذنه فى أن يعطيهم بادئًا عليهم، ولئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبى ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن فى الجلوس، وقيل‏:‏ إن الغلام‏:‏ الفضل بن عباس، وقد تقدم فى كتاب الأشربة زيادة فى هذا المعنى‏.‏

باب مَنْ قَالَ إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى

لِقَوْلِ الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ ليمنع به الكلأ - فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ، لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأَ‏)‏‏.‏

وقال مرة‏:‏ ‏(‏فَضْلُ الْكَلأَ‏)‏‏.‏

لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى، لأن النبى- عليه السلام- إنما نهى عن منع فضل الماء، فأما من لا يفضل له ماء فلا يدخل فى هذا النهى، لأن صاحب الشىء أولى به، وتأويل قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ‏)‏ عند مالك فى الآبار التى يحتفرها الرجل فى الصحارى والفلوات التى ليست لأحد، إنما هى مرعى للماشية، فيريد أن يمنع ماشية غيره أن تسقى من تلك البئر‏.‏

ففيها قال عليه السلام ذلك، يقول‏:‏ إذا منع حافرها فضل مائها لغير ماشيته فقد منع حافرها فضل مائها فقد منع الكلأ الذى حول البئر وانفرد به دون غيره، لأن أحدًا لا يرعى فيه إذا لم يكن للماشية ما تشربه، فأما البئر التى يحتفرها الرجل فى أرضه فيجوز له عند مالك أن يمنع ماءها‏.‏

وكره مالك منع ما عمل من ذلك فى الصحارى من غير أن يحرمه، قال‏:‏ ويكون أحق بمائها حتى يروى، ويكون للناس ما فضل إلا من مر بهم شفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم‏.‏

وقال الكوفيون‏:‏ له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم وليس عليه سقى زرعهم‏.‏

وقال عيسى بن دينار فى تفسير قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يمنع فضل بئر‏)‏ يقول‏:‏ من كان له جار انقطع ماؤه وله عليه زرع أو أصل فلم يجد ما يسقى به زرعه أو حائطه، وله بئر فيها فضل عن سقى زرعه أو حائطه، فلا يمنع جاره أن يسقى بفضل مائه، قلنا‏:‏ فنحكم عليه بذلك‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكن يؤمر بذلك عليه، فإن أبى منه لم يقض عليه‏.‏

قال أصبغ‏:‏ وقال ابن القاسم‏:‏ يقضى ذلك لجاره بالثمن‏.‏

وفى المدونة قلت لابن القاسم‏:‏ يقضى عليه بثمن أو بغير ثمن‏؟‏ قال‏:‏ قال مالك‏:‏ يقضى بغير ثمن‏.‏

قال ابن مزين‏:‏ قلت لعيسى‏:‏ فإن باع فضله، أترى جاره الذى انقطع ماؤه أولى به بالثمن‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

وفى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ‏)‏ من الفقه المنع من الذرائع، وذلك لأنه نهى أن يمنع الماء، لئلا يتذرع بذلك إلى منع الكلأ، وقال الكوفيون‏:‏ لا تجوز إجارة المراعى ولا بيعها، ولا يملك الكلأ صاحب الأرض حتى يأخذه فيحوزه‏.‏

وهو قول الشافعى، وقال مالك‏:‏ لا بأس أن يبيع مراعى أرضه سنة واحدة، ولا يبيعها سنتين ولا ثلاثًا، ولا يبيعها حتى تطيب ويبلغ الخصب أن يرعى‏.‏

وقال الثورى‏:‏ لا بأس أن يحمى الكلأ للبيع، والشجر للحطب أو البيع‏.‏

باب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِى مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ‏)‏‏.‏

اختلف العلماء فى هذه المسألة، فقال مالك فيمن حفر بئرًا، أو أوقف دابة فى موضع يجوز له أن يصنع ذلك فيه، فسقط أحد فى البئر، أو ضربت الدابة أحدًا أنه لا ضمان عليه ولا دية، وإنما يضمن من ذلك ما حفره فى طريق المسلمين، أو صنع من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه فيه، فهذا بمنزلة الإمام إذا حد أحدًا فمات المحدود فلا شىء على الإمام؛ لأنه فعل ما يجوز له، وإنما يلزمه الضمان إذا تعدى فى الحد، وبمثله كله قال الشافعى‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ من حفر بئرًا أو أوقف دابة فى موضع يجوز له ذلك فيه فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه له‏.‏

واختلفوا فى رجل حفر فى داره بئرًا لسارق يرصده، أو وضع حبالات له فعطب به السارق أو غيره، فقال مالك‏:‏ هو ضامن‏.‏

وقال الليث‏:‏ لا ضمان عليه‏.‏

وحجته قول الرسول‏:‏ ‏(‏البئر جبار‏)‏‏.‏

وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد بذلك الفعل أن يهلك به أحدًا؛ لأنه متعد بهذا القصد، وقد يمكنه التحرز بغيره‏.‏

قال‏:‏ فإن حفر الحفيرة فى حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان عليه عند مالك؛ لأنه فعل ما يجوز له فعله، ولا غنى به عنه، ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديًا، وسيأتى معنى قوله‏:‏ ‏(‏العجماء جبار‏)‏ فى كتاب الديات- إن شاء الله‏.‏

باب الْخُصُومَةِ فِى الْبِئْرِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ بن مسعود، عَنِ النَّبِىِّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ فَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ‏)‏، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً‏}‏ الآية، فَجَاءَ الأَشْعَثُ، فَقَالَ‏:‏ مَا يُحَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ فِىَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَانَتْ لِى بِئْرٌ فِى أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِى، فَقَالَ لِى‏:‏ ‏(‏شُهُود ذَلِكَ‏)‏، قُلْتُ‏:‏ مَا لِى شُهُودٌ، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَيَمِينُهُ‏)‏، قُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفَ فَذَكَرَ النَّبِىُّ عليه السَّلام هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا الوعيد يخشى إنفاذه على كل يمين غموس تقتطع بها مال أحد بغير حق، وفيه الترجمة، وفيه أن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر، وفيه جواز تولى الخصوم بعضهم بعضًا بما عرف من أحوالهم؛ لقوله‏:‏ ‏(‏إذا يحلف ويذهب بحقى‏)‏ لأنه كان معلومًا بقلة التقوى، وقد قيل‏:‏ إنه كان يهوديًا، فإن كان كذلك فليس بين المسلم والذمى قصاص ولا حد، وإن كان غير ذمى فلأنه كان معلومًا بالمجاهرة بالباطل‏.‏

والدليل على صحة هذا القول نزول الآية مصدقة لقوله النبى عليه السلام وليس بمعلوم بالأحوال الدينية من الحرمة ما لصالح المسلمين‏.‏

باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ الْمَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ‏:‏ وَاللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إلا هو لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ‏)‏، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً‏}‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ وهذا وعيد على المسلمين أيضًا، وكل وعيد يتوجه إلى المسلمين فهو موكول إلى مشيئة الله، وهو فيه بالخيار إن شاء عفا عنه، وإن شاء أنفذه فإن أنفذه على المسلم فلا يكون فيه خلود؛ لأن الخلود فى الذنوب قد رفع عن أهل التوحيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏منع فضل الماء‏)‏ يدل أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل، وقوله‏:‏ ‏(‏بايع إمامًا‏)‏ هو فى معنى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من كانت هجرته لدنيا يصيبها‏)‏ الحديث، وأن الله تعالى لا يقبل فى الهجرة والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه، وما لا يريد به وجهه فلا يرضى به، وله أن يعاقب عليه، وقوله‏:‏ ‏(‏بعد العصر‏)‏ يدل أنه وقت تعظم فيه المعاصى لارتفاع الملائكة بأعمال الناس إلى الله، فيعظم أن يرتفعوا عن العبد بالمعصية إلى الله ويكون أجر عمله المرفوع، وفيه أن خواتم الأعمال هى المرجوة والمحتسبة‏.‏

باب سَكْرِ الأَنْهَارِ

- فيه‏:‏ ابْن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فِى شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِى يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ‏:‏ سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ‏:‏ ‏(‏أسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ‏)‏، فَغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ، فَقَالَ‏:‏ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ‏)‏، فَقَالَ الزُّبَيْرُ‏:‏ وَاللَّهِ إِنِّى لأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ‏)‏ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏}‏‏.‏

وترجم له باب شرب الأعلى قبل الأسفل، وترجم له شرب الأعلى إلى الكعبين إلى‏:‏ ‏(‏حتى يرتفع إلى الجدر واستوعى له حقه‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ فقدرت الأنصار والناس قول النبى- عليه السلام-‏:‏ ‏(‏اسق ثم احبس حتى يرتفع إلى الجدر‏)‏، فكان ذلك إلى الكعبين‏.‏

اختلف أصحاب مالك فى صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل، فقال ابن حبيب‏:‏ يدخل صاحب الأعلى جميع الماء فى حائطه ويسقى به إذا بلغ الماء من قاعه الحائط إلى الكعبين من القائم فيه‏:‏ أغلق مدخل الماء وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط، وهكذا فسر لى مطرف وابن الماجشون، وقاله ابن وهب‏.‏

وقال ابن القاسم‏:‏ إذا انتهى الماء فى الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئًا فى حائطه‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلى، و هما أعلم بذلك، لأن المدينة كانت دارهما وبها كانت القضية، وفيها جرى العمل بها‏.‏

وذكر ابن مزين عن ابن القاسم مثل ما حكاه ابن حبيب عن مطرف و ابن الماجشون‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ وما كان من الخلج والسواقى التى يجتمع أهل القرى على إنشائها وأجرى الماء فيها لمنافعهم، فقل الماء فيها ونضب عنها فى أوقات نضوبه فالأعلى والأسفل فيها بالسواء، يقسم بينهم على قدر حقوقهم فيها، استوت حاجتهم أو اختلفت، هكذا فسر لى مطرف وابن الماجشون وأصبغ وقاله ابن وهب وابن القاسم وابن نافع‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفى الحديث من الفقه الإشارة بالصلح والأمر به، وفيه أن للحاكم أن يستوعى لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم ير منهما قبولا للصلح ولا رضًا بما أشار به، كما فعل النبى- عليه السلام- وفيه توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته، لأن النبى- عليه السلام- عاقبه على قوله‏:‏ ‏(‏أن كان ابن عمتك‏)‏ بأن استوعى للزبير حقه، ووبخه الله فى كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه، فقال‏:‏ ‏(‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك‏}‏ الآية‏.‏

ابن السكيت‏:‏ سكرت النهر أسكره سكرًا‏:‏ سددته‏.‏

قال صاحب العين‏:‏ والسكر اسم ذلك السداد الذى يجعل سدا للعين ونحوه‏.‏

قال الفسوى‏:‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سكرت أبصارنا‏}‏‏.‏

ابن دريد‏:‏ أصله من سكرت الريح‏:‏ سكن هبوبها‏.‏

قال أبو عبيد‏:‏ والشروج والشراج مسائل الماء من الحرار إلى السهولة، واحدها شرج قال غيره‏:‏ شرج‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ تسمى الحواجز التى بين الديار التى تمسك الماء الجدور، واحدها جدر‏.‏

باب فَضْلِ سَقْىِ الْمَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِى فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ‏:‏ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِى بَلَغَ بِى، فَمَلاَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِىَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ‏)‏، قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَسْمَاء، أَنَّ النَّبِىَّ عليه السَّلام صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أدَنَتْ مِنِّى النَّارُ، حَتَّى قُلْتُ‏:‏ أَىْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ‏؟‏ فَإِذَا امْرَأَةٌ- حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ- قَالَ‏:‏ مَا شَأْنُ هَذِهِ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا‏)‏، قَالَ‏:‏ فَقَالَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ-‏:‏ ‏(‏لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِتهَا وَلاَ سَقَيِتيِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا تَأَكْلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ‏)‏‏.‏

سقى الماء من أعظم القربات إلى الله- تعالى و قد قال بعض التابعين‏:‏ من كثرت ذنوبه فعليه بسقى الماء، وإذا غفرت ذنوب الذى سقى الكلب فما ظنكم بمن سقى رجلا مؤمنًا موحداُ أو أحياه بذلك‏.‏

وقد استدل بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على المشركين، لعموم قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏فى كل كبد رطبة أجر‏)‏ وفيه أن المجازاة على الخير والشر قد تكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏من قتل نفسه بحديدة عذب بها فى نار جهنم‏)‏‏.‏

وقال صاحب الأفعال‏:‏ لهث الكلب، ولهث بفتح الهاء وكسرها‏:‏ أدلع لسانه عطشًا، ولهث الإنسان أيضًا اشتد عطشه‏.‏

باب مَنْ قَالَ‏:‏ أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ

- فيه‏:‏ سَهْل، أُتِىَ النَّبِىّ عليه السَّلام بِقَدَحٍ فَشَرِبَ منه، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏يَا غُلاَمُ، أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ الأَشْيَاخَ‏؟‏‏)‏ فَقَالَ‏:‏ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ‏.‏

وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لاَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِى، كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، قَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا‏:‏ أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ، قَالَتْ‏:‏ نَعَمْ، وَلاَ حَقٌ لكُمْ فِى الْمَاء قالوا‏:‏ نَعَمْ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏- الحديث- وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ‏:‏ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِى كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لأذودن رجالا عن حوضى‏)‏‏.‏

فأما حديث الغلام والأشياخ فصاحب الماء واللبن أحق به أولا، ثم يستحقه المتيامن منه، فكان بين الحوض والقربه أو القدح فرق، لأنه لو كان صاحب القدح أحق به أبدًا لما استأذن النبى الغلام الذى كان عن يمينه فى أن يعطى الأشياخ، فإنما تصح الترجمة فى الابتداء أن صاحب الماء أولى به، ثم الأيمن فالأيمن أولى من صاحب الماء فى أن يعطيه غيره، وإنما هذا فيما يؤكل أو يشرب الموضوع بين يدى الجماعة، وأما فى المياه والآبار والجباب والعيون فصاحبها أولى بها أولا، وأولى بها فى أن يعطى من شاء آخراُ بخلاف حديث الغلام، وكذلك فى مسألة أم إسماعيل هى أحق بمائها أولا وآخرًا‏.‏

قال أبو عبد الله‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏لأذودن رجالا عن حوضى‏)‏ قال قبيصة فى البخارى‏:‏ هم المرتدون الذين بدلوا، فإن قيل‏:‏ كيف يأتون غرا محجلين والمرتد لا غرة له ولا تحجيل‏؟‏ فالجواب أن النبى- عليه السلام- قال‏:‏ ‏(‏تأتى كل أمة فيها منافقوها‏)‏، وقد قال تعالى ذلك فى كتابه‏:‏ ‏(‏يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم‏}‏ الآية فصح أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم فى الدنيا حتى يضرب بينهم بسور له باب والمنافق لا غرة له ولا تحجيل له، لكن المؤمنون سموا غرا محجلين بالجملة وإن كان المنافقون فى خلالهم‏.‏

باب لاَ حِمَى إِلاَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم

- فيه‏:‏ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ، قَالَ‏:‏ إِنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏لاَ حِمَى إِلاَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ‏)‏، وَقَالَ أبو عبد اللَّه‏:‏ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم حَمَى البَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ‏.‏

أصل الحمى فى اللغة‏:‏ المنع، يعنى‏:‏ لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ أو شجر إلا لله ولرسوله، وذكر ابن وهب أن البقيع الذى حماه النبى- عليه السلام- قدره ميل فى ثمانية أميال، حماه لخيل المهاجرين، وحمى أبو بكر الربذة لما يحمل عليه فى سبيل الله نحو خمسة أميال فى مثلها، وحمى ذلك عمر لإبل الصدقة، وحمى أيضًا السرف وهو مثل الربذة وزاد عثمان فى الحمى لما كثرت الإبل والبقر فى أيامه من الصدقات، أصل فعلهم ذلك من سنة النبى عليه السلام‏.‏

فمعنى قوله‏:‏ ‏(‏لا حمى إلا لله ولرسوله‏)‏ أى‏:‏ أنه لا حمى لأحد يخص به نفسه ترعى فيه ماشيته دون سائر الناس، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث ذلك عنه عليه السلام من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة تشمل المسلمين ومنفعة تعمهم، كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك‏.‏

وقد عاتب رجل من العرب عمر بن الخطاب فقال له‏:‏ بلاد الله حميت لمال الله‏.‏

وأنكر أيضاُ على عثمان أنه زاد فى الحمى، وليس لأحد أن ينكر ذلك، لأن النبى- عليه السلام- قد تقدم إليه، ولخلفائه الاقتداء به و الاهتداء بهدية وإنما يحمى الإمام ما ليس بملك لأحد مثل‏:‏ بطون الأودية، والجبال، والموات، وإن كان قد ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم فى حماية الإمام لها أكثر- والله الموفق- وقال الأصمعى‏:‏ البقيع‏:‏ القاع، يقال‏:‏ انزل بذلك البقع، أى‏:‏ القاع، والجمع البقعان‏.‏

باب شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِى لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏، الحديث، ‏(‏وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِىَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَهِىَ لِذَلِكَ أَجْرٌ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىّ عليه السَّلام فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

قَالَ‏:‏ فَضَالَّةُ الإِبِلِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا‏)‏‏.‏

أجمع العلماء أنه يجوز الشرب من الأنهار دون استئذان أحد، لأن الله تعالى خلقها للناس والبهائم، وأنه لا مالك لها غير الله تعالى وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد بيع الماء فى النهر، لأنه لا يتعين لأحد فيه حق، فإذا أخذه فى وعائه أو آنيته جاز له بيعه‏.‏

وقال مالك‏:‏ لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلا وإلى أجل وهو قول أبى حنيفة، وقال محمد‏:‏ هو مما يكال و يوزن لما روى أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع‏.‏

وعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل والنسيئة، لأن علته فى الربا الكيل والوزن‏.‏

قال الشافعى‏:‏ لا يجوز بيعه متفاضلا ولا إلى أجل، لأن علته فى الربا أن يكون مأكولا جنسًا‏.‏

باب بَيْعِ الْحَطَبِ وَالْكَلاَ

- فيه‏:‏ الزُّبَيْر، عَنِ النَّبِىِّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حْبُلاً، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِىَ أَوْ مُنِعَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ عَلِىّ، أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ النَّبِىّ عليه السَّلام فِى مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ‏:‏ وَأَعْطَانِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَارِفًا أُخْرَى فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لأَبِيعَهُ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ فى هذا الباب إباحة الاحتطاب فى المباحات والاختلا من نبات الأرض، كل ذلك مباح حتى يقع التحظير من مالك الأرض، فترتفع الإباحة، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم، عن مالك قال‏:‏ من كانت له أرض يملكها ليست بأرض خربة فأراد أن يبيع ما نبت فيها من المرعى بعد طيبه، أنه لا بأس له‏.‏

وقال أشهب‏:‏ لا يجوز ذلك، لأنه رزق من رزق الله، ولا يحل لرب الأرض أن يمنع منه أحداُ، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ‏)‏ ولو كان النبات فى حائط إنسان لما جاز له أن يمنع منه أحدًا، لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا حمى إلا لله ولرسوله‏)‏‏.‏

وقال الكوفييون كقول أشهب‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفيه من الفقه أن تضمين الجنايات بين ذوى الأرحام العادة فيها أن تهدر من أجل القرابة، كما هدر على قيمة الناقتين والجناية فيهما مع وكيد الحاجة إليهما أو إلى ما كان يستقبله من الإنفاق فى وليمة عرسه، وفيه أن للإمام أن يمضى إلى أهل بيت بلغه أنهم على منكر فيغيره، وفيه علة تحريم الخمر، ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ‏(‏من أجل ما جفا به حمزة على النبى من هجر القول‏.‏

والشرف جمع شارف، وهى الحسنة من النوق والنواء جمع ناوية، والناوية السمينة، وقد نويت نيا ونواية‏.‏

ابن السكيت‏:‏ نواية‏.‏

أبو حنيفة‏:‏ أنوينا إبلنا‏:‏ أسمناها‏.‏

الخطابى‏:‏ النى‏:‏ السمن والنى بالكسر‏:‏ اللحم الطرى، وجب‏:‏ قطع و منه قيل للخصى‏:‏ مجبوب، أى‏:‏ مقطوع‏.‏

وبقر البطن والشىء بقرًا‏:‏ شقه‏.‏

باب الْقَطَائِعِ

- فيه‏:‏ أَنَس، أَرَادَ النَّبِىُّ، عليه السَّلم، أَنْ يُقْطِعَ الأَنْصَار مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ‏:‏ حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِى يُقْطِعُ لَنَا، قَالَ‏:‏ ‏(‏سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى‏)‏‏.‏

وترجم له ‏(‏باب كتابة القطائع‏)‏‏.‏

قَالَ أَنَس‏:‏ دَعَا النَّبِىُّ عليه السَّلام الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى‏)‏‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ مال البحرين كان من الجزية، لأن المجوس كانوا فيها كثيرًا فى ذلك الوقت بسبب سلطان كسرى كان بها، وكان فيها أيضًا من أهل الذمة سوى المجوس، وكان عامله عليها أبان بن سعيد بن العاص‏.‏

قال المؤلف‏:‏ فهذا يدل أن الذى أراد أن يقطع النبى- عليه السلام- للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض، لأنها كانت أرض صلح يؤدى أهلها الجزية عليها، وإنما أراد أن يقطع لهم مالا يأخذونه من جزية البحرين، لأن الجزية تجرى مجرى الخراج والخمس، فيجوز أخذها للأغنياء، وليست تجرى مجرى الصدقة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فلم يكن ذلك عند النبى‏)‏ يعنى‏:‏ فلم يرد ذلك النبى- عليه السلام- لأنه كان قد أقطع المهاجرين أرض بنى النضير حين أجلوها وليستغنوا عن رفد الأنصار ومشاركتهم، وردوا إليهم منائحهم‏.‏

قال المهلب‏:‏ وقوله عليه السلام للأنصار‏:‏ ‏(‏إنكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقونى‏)‏ يدل أن الخلافة لا تكون فى الأنصار، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم يلقونه، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه‏.‏

باب حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من حق الإبل أن تحلب على الماء‏)‏ يعنى الحق المعهود المتعارف بين العرب من التصدق باللبن على المياه إذ كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل على المياه لتنال من رسلها وتشرب من لبنها، وهذا حق حلبها على الماء، لا أنه فرض لازم عليهم، وقد تأول بعض السلف فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده ‏(‏قال‏:‏ هو أن يعطى المساكين عند الجداد والحصاد ما تيسر من غير الزكاة، وهذا مذهب ابن عمر، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وجمهور الفقهاء على أن المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده ‏(‏الزكاة المفروضة، وهو تأويل ابن عباس وغيره، وقد تقدم بيان هذا فى كتاب الزكاة فى باب إثم مانع الزكاة‏.‏

باب الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أَوْ شِرْبٌ فِى حَائِطٍ أَوْ فِى نَخْلٍ

وقَالَ النَّبىُّ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ وَالسَّقْىُ، حَتَّى يَرْفَعَ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْعَرِيَّةِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، رَخَّصَ النَّبِىُّ عليه السَّلام أَنْ تُبَاعَ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا‏.‏

إنما أراد البخارى أن يستدل من حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت على تصحيح ما ترجم، وذلك أن النبى- عليه السلام- لما جعل لبائع أصول النخل المثمرة بعد أن تؤبر؛ كان له أن يدخل فى الحائط لسقيها وتعهدها حتى يجدها، ولم يجز لمشترى أصول النخل أن يمنعه الطريق والممر إليها‏.‏

وكذلك يجوز لصاحب العرية أن يدخل فى حائط المعرى لتعهد عريته وإصلاحها وسقيها، ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء، وأما من له طريق مملوكة فى أرض غيره، فقال مالك‏:‏ ليس للذى له الطريق أن يدخل فيها بماشيته وغنمه؛ لأنه يفسد زرع صاحبه وقال الكوفيون والشافعى‏:‏ ليس لصاحب الأرض أن يزرع فى موضع الطريق‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم

كِتَاب الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْحَجْرِ وَالتَّفْلِيسِ

باب مَنِ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ أَوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ

- فيه‏:‏ جَابِر، غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَقَالَ‏:‏ ‏(‏كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ أَتَبِيعَهِ‏)‏‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِى ثَمَنَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ الأَعْمَشُ، تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ، فَقَالَ‏:‏ حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ عليه السَّلام اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِىٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز، والشراء بالدين مباح؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ‏(‏ألا ترى أن النبى اشترى الجمل من جابر فى سفره ولم يقضه ثمنه إلا بالمدينة، وكذلك اشترى الشعير من اليهودى إلى أجل، فكان ذلك كله سننًا‏.‏

باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلاَفَهَا

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ‏)‏‏.‏

هذا الحديث شريف ومعناه‏:‏ الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة، وقد حرم الله فى كتابه أكل أموال الناس بالباطل، وخطب النبى- عليه السلام- بذلك فى حجة الوداع، فقال‏:‏ ‏(‏إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام‏)‏ يعنى‏:‏ من بعضكم على بعض، وفى حديث أبى هريرة أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون من جنس الذنوب، لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له‏.‏

باب أَدَاءِ الدَّيْنِ

وَقَوْلِ اللَّهِ تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا‏}‏ الآية‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو ذَرّ، قَالَ‏:‏ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَلَمَّا أَبْصَرَ، يَعْنِى أُحُدًا، قَالَ‏:‏ مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِى ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَ دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذه الآية أصل فى أداء الأمانات وحفظها، ألا ترى أن النبى لم يحب أن يبقى عنده من مثل أحد ذهبًا فوق ثلاث إلا دينار أرصده لدين، فدل هذا الحديث على ما دلت الآية عليه من تأكيد أمر الدين والحض على أدائه‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وفى هذا الحديث دليل على الاستدانة بيسير الدين اقتداءً بالنبى- عليه السلام- فى إرصاده دينارًا لدينه، ول كان عليه مائة دينار أو أكثر لم يرصد لأدائها دينارًا؛ لأنه عليه السلام كان أحسن الناس قضاءً، وبان بهذا الحديث أنه ينبغى للمؤمن ألا يستغرق فى كثرة الدين؛ خشية الاهتمام به، والعجز عن أدائه، وقد استعاذ الرسول بالله من ضلع الدين، واستعاذ من المأثم والمغرم، وقال‏:‏ ‏(‏إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف‏)‏‏.‏

فقد جاء فى خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق قال‏:‏ حدثنا محمد ابن المثنى قال‏:‏ حدثنا أبو معاوية قال‏:‏ حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ إن القتل فى سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة، قال‏:‏ وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها فيقال له يوم القيامة‏:‏ أد أمانتك، فيقول‏:‏ من أين وقد ذهبت الدنيا‏؟‏ فيقال له‏:‏ نحن نريكها، قال‏:‏ فتمثل له فى قعر جهنم، فيقال له‏:‏ انزل فأخرجها، قال‏:‏ فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت، فهوت وهوى فى أثرها أبد الأبد‏.‏

قال‏:‏ والأمانة فى كل شىء حتى فى الصلاة والصيام والوضوء والغسل من الجنابة، والأمانة فى الكيل والوزن‏.‏

وقال الربيع بن أنس‏:‏ الأمانة ما أمروا به، وما نهوا عنه‏.‏